كتاب أحد سجناء الخليفة: اثنا عشر عاماً من الأسر فى امدرمان.
نيوفيلد ، تشارلز (1856-1918)، و رؤاه لمستقبل السودان والدولة السودانية الناشئة فى عام 1899.
هذا الكتاب لكاتبه الألمانى تشارلس نيوفولد و الذى غير إسمه الخليفة عبد الله التعايشى، ثانى حكام الدولة المهدية، الى "عبد الله نوفل".
لقد قرأت هذا الكتاب و أعتقد أنه جدير بالإهتمام كشأن الكتب الأخرى و التى كُتبت بواسطة كتّاب غير سودانيين تحدثوا عن تجربة دولة المهدية و ما بعدها عن بداية الحداثة فى السودان، و كذلك مساهمة هذه الكتب فى التأثير على الرأى العام الغربى و خاصة البريطانى و دوره فى نشأة الدولة السودانية الحديثة.
اليوم كالأمس ونحن بصدد مرحلة تجديد الجمهورية السودانية الثانية وهل الرؤى لمستقبل بلادنا واضحة فى أن نحقق دولة مدنية حضارية همها الأول الإنسان السودانى وليس التفانى من أجل الأيدولوجيات و السلطة و محو الآخر من الخصوم.
كانت أول علاقة تشارلس نيوفولد بالسودان عندما دخل البلاد مترجما للفرقة العسكرية البريطانية التى أرسلت لإنقاذ غردون باشا ووصلت الخرطوم بعد يومين من سقوطها فى يد ثوار المهدية و اغتيال غردون باشا حاكم السودان.
المرة الثانية و التى وقع فيها فى أسر الدولة المهدية لمدة إثنى عشر عاما (1887 – 1899) و التي تخللتها بعض المحاولات الفاشلة للهرب، كانت بغرض التجارة بين مصر و كردفان كما يدعى تشارلس. و كان قد صادف فى نفس الوقت أن هناك قافلة مرسلة من الحكومة المصرية محملة بالأسلحة و السكر و المواد التموينية الاخرى لدعم الشيخ صالح (بيه) ود سالم زعيم قبيلة الكبابيش وانضم نيوفولد للقافلة التى سلكت فى مسارها طريق غرب النيل بحكم انه ما زال فى وقتها تحت سيطرة الكبابيش. و عند منطقة آبار سليمة وقعوا فى قبضة جيوش المهدية التى كان يقودها عبد الرحمن النجومى فى دنقلا و أُعدم جميع أفراد القافلة ما عدا نيوفولد و خادمته حسينة الحبشية الأصل حيث تم إرسالهما الى امدرمان. كانت هذه الواقعة سببا لانقضاض الخليفة عبد الله على قبيلة الكبابيش وإبادتها بما فيها شيخ القبيلة صالح ود سالم. و يُعزى نيوفولد واقعة آبار سليمة هذه الى خيانة سببها بعض العملاء المزدوجين من كبابيش الشمال (اولاد البلد) الذين منهم من كانوا يرافقون القافلة ضد كبابيش كردفان (اولاد العرب). و نتيجة لهذا التنافس من داخل القبيلة كانت تلك الكارثة حيث ان أولاد البلد (البلد مشتقة من البلدية أى المدينة و الحضر، و العرب تعنى البدو) كانوا يرون أنهم أولى بهذا الدعم الذى تقدمه الحكومة المصرية و لذا لم يجدوا حرجا فى إفشاء سر القافلة بل و التآمر مع ود النجومى قائد جيش المهدية على الفرع الآخر من قبيلتهم.
و فى امدرمان عرض الخليفة على تشالرس الإسلام أو الإعدام ففضل الإعدام و عندما سيق الى المشنقة و التى كانت فى سوق امدرمان قام بانتقاد المهدى و رسالته و لهذه الشجاعة قرر الخليفة إبقاؤه فى السجن بدلا من الشنق (لكنى أعتقد أنه قرر إبقاؤه للاستفادة من مؤهلاته الفنية كما فعل مع معظم الأجانب). فى السجن الذى يسمى الساير على اسم مديره ود الساير و هو من قبيلة الجوامعة, حكى عن الأهوال التى يمر بها السجناء و قليل منهم نجا و لم يلقى حتفه فيه. من المشاهير في ذلك السجن أبناء الشيخ عوض الكريم أبو سن زعيم قبيلة الشكرية و الذى كان يعتبر مواليا لغوردون باشا و قد مات فى نفس السجن, و الشيخ حمد النيل و الذى مات فى السجن ايضا و كثيرون آخرون.
بعد ان إستتب الأمر للحكام الجدد فى السودان (الحكم الثنائى المصرى الانجليزى) بعد نهاية دولة المهدية عام 1898 ، عرض نيوفولد رؤاه لمستقبل السودان و كبفية تحديث البلاد و المجتمع السودانى:
اولا بدا أقل تفاؤلاً من أن كلية غردون التذكارية (جامعة الخرطوم حاليا) و التى أُنشأت حديثا سوف تفعل فعل السحر فى تمدين المجتمع السودانى فلابد من الإحتياط و توقع بعض الإحباطات لأن المجتمع السودانى مجتمع غارق فى الخرافات حتى أن الخليفة عبدالله نفسه كان يخاف من العين و يعتمد إعتمادا كبيرا على النبى "الخدر" و الملائكة فى الإستخبارات و إدارة الدولة (كذلك كان الحال فى أيام الانقاذ الإسلامية الأولى).
أبدى نيوفولد إهتماما أكبر بالإقتراح الخاص بمد خط السكة حديد بين بربر و سواكن مما سيعود بالنفع الإقتصادى على السودان (و الآن بعد مائة عام نحن بصدد إعمار سكك حديد السودان من اول و جديد).
وصى نيوفولد الحكام الجدد من البريطانيين أن السودانيين شديدي الحساسية ضد الظلم و عدم تكرار تجربة المرحلة التركية الجائرة و عليهم أن يتبنوا أسلوب غردون باشا الذى يصفه السودانيون بالعادل و كان يرى أن عافية السودان فى خروج الجنود الأتراك المصريين و أن تترك إدارة كل قبيلة لزعامتها المحلية (الادارة الأهلية حاليا), و حتى الإمام المهدى أشاد بعدل غردون ووصفه بالمسلم الحقيقى لعدله. و اضاف نيوفولد أنه طوال الإثنى عشر عاما التى قضاها فى امدرمان لم يسمع و لو بالخطأ كلمة واحدة سيئة فى حق غوردون باشا. (تجربة الانقاذ الأولى تثبت كم ان الشعب السودانى ذو حساسية عالية ضد الظلم و ما زال و يؤكد ذلك).
وصف نيوفولد اقتصاد البلاد بأنه عبارة عن سوق مشترك لشعوب السودان (commonwealth) و ان البلاد مؤهلة لإنتاج فائض من الغذاء لإعانة الدول الأخرى (سلة غذاء العالم) و نحن ما زلنا لم نكتفى بعد من الغذاء فى بلاد تجرى من تحتها الأنهار و الأودية.
و فى مجال التنمية البشرية وصى بعدم الإعتماد على الكنيسة كوسيلة يمكن أن تساهم فى تمدن المجتمع السودانى و يكفى فشلها البائن فى السودان و اوغندا, ووصى بالإعتماد بمن يعرفون القرآن (الاسلام) معرفة جيدة فى عملية التحديث.
و فى مخاطبته الرأى العام الغربى بخصوص ظاهرة تجارة الرقيق فى السودان و التى أبطلتها الحكومة الإستعمارية الجديدة فانه يؤكد على بشاعة إستعباد البشر و لكنه يرى هذه الظاهرة فى السودان ليست بتلك القباحة التى يتصورها الاوربيون. قسم نيوفولد السودانيين الى ثلاث مجموعات هى العرب و السود و الزنج ووصف العبد فى السودان و كأنه أشبه بالخادم المنزلى حيث يوفر سيده المأكل و الملبس له و لأسرته و التى يرى ان العبد (السودانى) قد يعجز عن توفيرها عند ما يكون حرا نتيجة لكسله.
إسم الكتاب باللغة الإنجليزية:
A prisoner of the Khaleefa: Twelve years’ captivity at Omdurman. Neufeld, Charles (1856 – 1918)
توجد ترجمات عربية الكترونية فى قوقل, فهذه من نسخة انجليزية طبعت 1899 و توجد مجانا فى مكتبة جامعة كاليفورنيا الالكترونية على الرابط التالى:
http://www.archive.org/details/prisonerofkhalee00neufrich
تعليقات
إرسال تعليق